يثير الاستغراب والأسف اندفاع بعض السياسيين الليبيين إلى الاصطفاف خلف ما يُعرف بصفقة “مسعد بولس”، في موقف يمنح دعماً مجانيا وغير مشروط لمشروع لا تزال ملامحه غير واضحة، ويعكس هذا السلوك أزمة في الرؤية السياسية وتماهياً مع أساليب متخلفة عفى عليها الزمن؛ لفرض قوى أمر واقع، ويعكس تراجعاً عن الأهداف التي قُدمت من أجلها تضحيات جسام على مدى سنوات.
ويزيد الاستغراب وإرباك الرأي العام أن ينجرّ لذلك أعضاء من مجلس النواب والقوى السياسية وبعض النخب والإعلاميين، ويصدر عنهم التأييد المجاني لمشروع لم يعرض رسميا عليهم، فهل بعد ذلك نلوم من يتدخل في شؤوننا الداخلية؟!!
إن غياب المسؤولية الوطنية، وافتقار بعض الفاعلين السياسيين إلى مشروع جامع ورؤية إستراتيجية واضحة، أسهم في ترسيخ حالة من الضعف السياسي التي قد تفتح الباب أمام إعادة إنتاج الاستبداد بصيغ جديدة.
فالشراكات الإستراتيجية مع القوى الكبرى مرحب بها، ولكنها لا تُبنى على العلاقات والصفقات الشخصية أو موازين القوة المؤقتة، بل يجب أن تستند إلى رؤية وطنية متماسكة، من خلال دعم الدول الراغبة في الشراكة مع ليبيا للمؤسسات السيادية ومعالجة الانقسامات الداخلية، بما يضمن حماية المصالح العليا للدولة والاستجابة لتحديات الأمن والطاقة والملفات السيادية المعقدة والقدرة على بناء شراكات دولية ناجحة.
إن بناء علاقات مستقرة ومتوازنة مع الدول المؤثرة يتطلب إصلاح المؤسسات وتوحيدها، لا منظومات تقوم على الولاءات الضيقة أو الامتيازات العائلية أو تغول الحكم العسكري أو سطوة المجموعات المسلحة، فالدول الكبرى تبحث في نهاية المطاف عن شركاء يتمتعون بالاستقرار المؤسسي والقدرة على الوفاء بالتزاماتهم، لا عن كيانات هشة تفتقر إلى أسس الحكم الرشيد.
وفي هذا السياق فإننا ندعو الدول المعنية بليبيا والمرتبطة بمصالح حيوية معها، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، إلى الاستمرار في نهجها الإستراتيجي القائم على دعم الاستقرار في ليبيا، وبناء شراكة تقوم على دعم مؤسساتها السيادية، والمساعدة على إعادة تأهيلها بما يجعلها قادرة على إنجاز شراكة فاعلة ومستمرة

